حيدر حب الله

288

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

المدارس الأصولية والرجالية والدرائية ومواجهة المدّ الأخباري بعد أن استعرضنا مجمل المعركة الفكرية في صورتها الموجزة ، من الجدير أن نحلّل طبيعة مواجهة المدّ الأخباري على صعيد نظرية يقينية السنّة ، والذي يلاحظ هنا أنّ مدارس ثلاث التقت على مواجهة الحركة الأخبارية ، وهي المدرسة الأصولية التي كانت المواجهة الرئيسية معها في مجمل مناشط الفكر الأخباري من العقل والإجماع والقرآن إلى الاجتهاد وشرعية علم أصول الفقه و . . . وإلى جانب المدرسة الأصولية كانت المدرسة الرجالية معنيّة هذه المرّة بالحركة الأخباريّة ، لأن الحديث عن يقينية السنّة بهذا المعنى العريض سوف يؤدّي إلى تقليص جذري لنشاط علم الرجال ، إذ بعد اليقين بصدور النصوص لا معنى للبحث المركّز حول السند ، وحتّى لو صارع الرجاليّ لكي يبقى على قيد الحياة ، متمسّكا بظاهرة تعارض النصوص معينا له على البقاء ، انطلاقا من أن ترجيح نصّ على آخر يفترض أن تدخل فيه معايير سندية من نوع أعدلية الراوي وأوثقيّته وأفقهيّته وما شابه ذلك ، طبقا لنصوص الترجيح الواردة في مباحث التعارض « 1 » . . حتّى لو صارع الرجالي هنا فإنّ دائرة عمله ستبقى محدودة نسبة لما إذا قلنا بعدم يقينيّة مصادر الحديث ، خصوصا إذا رفض عالم ما نظرية الترجيح في مباحث التعارض لصالح نظرية التخيير التي قال بها الكليني « 2 » ( 329 ه ) من القدماء ، والمحقق الخراساني « 3 » ( 1329 ه ) من المتأخرين ، فإنّ معايير الترجيح ستغدو عديمة الجدوى - لا أقلّ تقريبا - مما يفقد علم الرجال أبّهته ورونقه ، لأنّ معنى التخيير بين النصوص في حالة تعارضها واختلافها هو القدرة على ممارسة انتقاء - ولو عشوائي - لنصّ من نصّين مختلفين فيما بينهما ، دون حاجة إلى أيّة معايير قد تساند هذا النص أو ذاك . وهكذا دخل علم الحديث والدراية على خطّ الصراع ؛ انطلاقا مما أشرنا إليه سابقا من تجريد الأخباريين علم الدراية من الشرعية والاعتبار ، سيّما وأن يقينيّة السنّة

--> ( 1 ) - انظر النصوص في وسائل الشيعة 27 : 106 - 124 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 . ( 2 ) - محمد بن يعقوب الكليني ، الكافي 1 : 9 . ( 3 ) - محمد كاظم الخراساني ، كفاية الأصول : 506 .